لماذا يعادون أشجار الزيتون؟
5 أغسطس 2025
"زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء". بهذا الوصف الرباني البديع، يرفع الله من شأن شجرة الزيتون، لا كرمز للنقاء والبركة فحسب، بل كجسر بين النور والهداية.
ونَقل ابن كثير والإمام الطبري عن أهل الكتاب، دون أن يثبت ذلك في الكتاب والسنة، أن نبي الله زكريا عليه السلام، كان من الذين قتلوا ظلما على يد قومهم، بعدما ضاقوا بانتقاده لهم، وإنكاره لفسادهم وإفسادهم في بيت المقدس. فطاردوه حتى احتمى في جذع شجرة، قيل إنها شجرة زيتون انشق جذعها بمعجزة إلهية فولج فيه. بيدَ أن الشيطان دلهم على مكانه، بأن أمسك بطرف ثوبه، وأبقاه خارج الشجرة، فأتوا بمنشارٍ ونشروا الشجرة فقتلوه داخلها.
"على دلعونا وعلى دلعونا.. زيتون بلادي أطيب ما يكونا"، يتغنى الفلسطينيون بشجرة الزيتون، التي مثّلت جزءا أصيلا من هويتهم وذاكرتهم الجمعية. هي مصدر الرزق والغذاء والدواء، وبها تتزين الجبال والوديان والسهول، ولا غنى للفلسطيني عنها، الذي ارتبط بها منذ طفولته، ويرثها أبا عن جد، ويخصّها بمكانة فريدة في قلبه ووجدانه، كما يحرص على حمايتها والدفاع عنها بكل ما أوتي من سبل، وكأنما كل زيتونة، بعضٌ من روحه.
"على دلعونا وعلى دلعونا.. زيتون بلادي أطيب ما يكونا"، يتغنى الفلسطينيون بشجرة الزيتون، التي مثّلت جزءا أصيلا من هويتهم وذاكرتهم الجمعية.
ولقطف الزيتون موسم سنوي وطني يحوز على الاهتمام، لأجله تُحشد القوى، وتُفرغ الأوقات، وتُبرمج الأشغال، ويلتئم شمل الأسر الكبيرة؛ ليتفرغ الجميع لحصد الثمار، وعصرها، واستخراج زيتها. هذا ما دأب عليه الفلسطينيون منذ أقدم العصور. ولكن، منذ غزا المحتل فلسطين تغير الحال، فما من أرض سيطر عليها وهجَّر أهلها إلا واقتلع زيتونها وبوَّرها، وكأن بينه وبين أشجار الزيتون عداء قديم مستشري، ورغبة في الانتقام لا تزول مع التقادم.

الآن وبعد السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بشكل لم يسبق له مثيل، فما من يوم يمضي إلا ونسمع عن اعتداءات للمستوطنين، وقد نشهدها بأم أعيننا وليس عبر الفيديوهات فقط، نجدهم يهاجون الحقول والجبال، وينالون بالأذى من شجر الزيتون؛ بتكسير الأغصان وحرق الشجرة وقص جذعها واقتلاعها، وكأن هناك ما يدفعهم للانتقام من هذه الشجرة تحديدا.
من الواضح أن هناك ثأر ضارب في القِدم بين المستوطنين الصهاينة الذين وفدوا إلى هذه الأرض مستعمرين، وبين شجرة الزيتون، فهي تمثل رمز الانتماء إلى الأرض، هي جذور الفلسطيني في أرضه، وباقتلاعها يعتقدون أنه سيُقتلع من دياره ويصبح بمقدورهم سلب أرضه وتهويدها.
وفي موسم القطاف يهاجم المستوطنون المسلحون المزارعين في أراضيهم، ويعتدون عليهم بالضرب غالبا والقتل أحيانا، وقد يسرقون المحصول ويسرقون الزيت بعد عصره وأثناء نقله، يحدث ذلك في أحيان كثيرة تحت حماية جيش الاحتلال ومباركته. فما الداعي إلى ذلك؟ ولماذا استهداف أشجار الزيتون تحديدا؟ فهل هناك ثأر بينهم وبين هذه الشجرة المباركة؟
نعم، من الواضح أن هناك ثأر ضارب في القِدم بين المستوطنين الصهاينة الذين وفدوا إلى هذه الأرض مستعمرين، وبين شجرة الزيتون، فهي تمثل رمز الانتماء إلى الأرض، هي جذور الفلسطيني في أرضه، وباقتلاعها يعتقدون أنه سيُقتلع من دياره ويصبح بمقدورهم سلب أرضه وتهويدها. بؤرة استيطانية تُنشأ هنا، وأخرى تُقام هناك، وغالبا ما تُستهدف رؤوس الجبال وتلك القريبة من عيون الماء، وكل منطقة ذات موقع حساس فهي في عين الخطر أمام عقلية الهيمنة التي لا تشبع.
منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2024، ووفق لإحصائيات وكالة "أوتشا" التابعة للأمم المتحدة، وُثّق تدمير أكثر من 52,373 شجرة زيتون بالكامل في الضفة.
فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2024، ووفق لإحصائيات وكالة "أوتشا" التابعة للأمم المتحدة، وُثّق تدمير أكثر من 52,373 شجرة زيتون بالكامل في الضفة، وهو ما يعادل نحو 4% من إجمالي أشجار الزيتون في الضفة بحسب تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية.
فبحسب صحيفة القدس، وخلال موسم القطاف في عام 2023 ( والذي يمتد من منتصف أكتوبر إلى منتصف ديسمبر)، قُدّر عدد أشجار الزيتون المدمرة بأكثر من 10,000 شجرة ضمن 113 اعتداء من المستوطنين، كان من بينها سرقات للمحصول أيضا.
وخلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2024، سجلت "أوتشا" 260 حادثة عنف تمت أثناء ذلك الموسم لقطف الزيتون، كان من بين تلك الحوادث تدمير وإحراق حوالي 3,100 شجرة زيتون.
في إحصائيات لمكتب الأمم المتحدة، ومنظمة "ييش دين" الحقوقية الإسرائيلية ومركز أبحاث الأراضي، وتقارير إعلامية لوكالتي رويترز والأناضول، فقد رصدت اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون في الضفة الغربية خلال العام 2024، بما يلي:
ولا يغيب عن أذهاننا أن هذه الأرقام ليست نهائية، فليس كل اعتداء يتم توثيقه ورصده، وتبقى الأرقام الحقيقة أكبر بكثير من هذه الأرقام التي أوردتها المؤسسات الإعلامية والحقوقية. ويتضح أن استهداف أشجار الزيتون تحديدا بات نهجا متّبعا من المستوطنين، غالبا ما يتم تحت حماية الجيش، ويستهدف الأشجار المعمّرة - تلك التي يزيد أعمار أغلبها عن عمر دولة الاحتلال - واليافعة منها، ناهيك عن تخريب أشتال حديثة الزراعة، وحرمان أصحاب الأرض من الوصول إلى أراضيهم وأشجارهم ورعايتها وحصد ثمارها.
يتضح أن استهداف أشجار الزيتون تحديدا بات نهجا متّبعا من المستوطنين، غالبا ما يتم تحت حماية الجيش، ويستهدف الأشجار المعمّرة، تلك التي يزيد أعمار أغلبها عن عمر دولة الاحتلال.
كل هذه الممارسات الاستيطانية تتم بتخطيط مسبق ودعم لا متناهي في محاولات دائبة للسيطرة على الأرض في مشروع استعماري لا يعرف الحدود، ولا يتوقف عند مكان، فكل ما يتاح له يرنو لابتلاعه وفرض سيطرته عليه، ويجد من الأساطير المبتدعة الواردة في كتبه التي يدّعي قدسيتها مرجعا يستقي منه هذه الأحقية المقدسة التي تبيح له المحظورات وتليِّن له الأعراف وتعيد تشكيل القوانين بما يتلاءم مع نهمه وتطلعاته.