القتل بغطاء القانون: عن قانون إعدام الأسرى
11 ديسمبر 2025
لم يكن الفلسطيني يوما بحاجة إلى محكمة تُصدر قرارا بإعدامه؛ فالطلقة التي مرّت فوق رأسه، والقذيفة التي هدمت بيته، والجندي الذي داهم ليله، كلّها كانت تقول له شيئا واحدا: إن الاحتلال لا يبحث عن قانون، بل عن شرعية جديدة للقتل القديم. واليوم، حين يقف الكنيست على أعتبة تشريع عقوبة الإعدام للفلسطينيين، يصبح السؤال أكبر من السياسة، وأعمق من نصّ قانوني، وأصدق من كل الادعاءات الأمنية: ما الذي يدفع دولة مارست القتل خارج القانون سبعين عاما، وتملك كل أدوات القتل إلى البحث عن مزيد منها؟

مشروع القانون ليس مجرد تعديل قضائي، بل خطوة تكشف تحوّلا عميقا في بنية القوة داخل إسرائيل. فالدولة التي كانت تتذرع لعقود بأنها "ترفض الإعدام" كانت تمارس شكلا آخر منه: اغتيالات في الهواء، إعدامات ميدانية، حصار يقتل ببطء، وسجون تُدار خارج أي معيار إنساني. الفرق اليوم أن اليمين المتطرّف لم يعد يريد لعنفه أن يبقى في الظل، بل يريد إدخاله في قلب التشريع، مع نصوص تميّز صراحة بين الدم الفلسطيني والدم الإسرائيلي، وتجعل الحكم بالإعدام إلزاميًا دون سلطة تقديرية للقاضي، ودون ضمانات أو مراجعات.
ما تكشفه العودة إلى عقوبة الإعدام هو تحول جذري في بنية القوة داخل إسرائيل: انحسار نفوذ المؤسسة الأمنية والقضائية التقليدية، وصعود تيار يريد إزالة ما تبقى من القيود على عنف الدولة.
إنها اللحظة التي تتخلى فيها الدولة عن آخر ما تبقى من "نفاق أخلاقي" كانت تجيده أمام العالم؛ لم تعد مضطرة إلى أن تبكي بعد أن تطلق النار، ولا إلى التظاهر بأنها دولة تحترم القانون الدولي. ورغم أن البعض يعزو هذا التحول إلى صدمة السابع من تشرين الأول/اكتوبر، فإن جذوره أعمق بكثير؛ فهو امتداد لصعود اليمين المتطرف ومشروع نتنياهو الهادف إلى تقويض القضاء وإطلاق يد السلطة التنفيذية. فمشروع الإعدام الحالي ليس وليد الحرب، بل نسخة مطابقة لمقترح طرح مطلع عام 2023، أي قبل الأحداث بزمن. وما تكشفه العودة إلى عقوبة الإعدام هو تحول جذري في بنية القوة داخل إسرائيل: انحسار نفوذ المؤسسة الأمنية والقضائية التقليدية، وصعود تيار يريد إزالة ما تبقى من القيود على عنف الدولة. وهكذا يتشكل القانون الجديد كجزء من مشروع أكبر يعيد صياغة علاقة الدولة بالعنف، ويحول الانتقام من نزوة هامشية إلى سياسة معلنة لا تخجل من نفسها.
منذ الخمسينيات، تباهت إسرائيل بأنها ألغت عقوبة الإعدام في جرائم القتل، مقدمة ذلك على انه دليل على "تحضر" قانوني يميزها عن دول كانت ما تزال تمارس الإعدامات. لكن هذه الصورة كانت جزءا من خطاب دعائي أكثر منها التزاما أخلاقيا؛ فالعقوبة بقيت قائمة نظريا في حالات استثنائية، ولم تنفذ الدولة طوال تاريخها سوى إعدام واحد بغطاء القانون. وبعد احتلال الضفة وغزة عام 1967، منحت إسرائيل محاكمها العسكرية صلاحية الحكم بالإعدام على الفلسطينيين، لكنها التزمت بسياسة امتناع طويلة قوامها تعليمات للادعاء بعدم طلب العقوبة، وضوابط إجرائية تمنع وصولها إلى التنفيذ. كان ذلك الامتناع نوعا من "النفاق المؤسساتي"، الذي يسمح للدولة ان تدعي التزاما أخلاقيا بينما تمارس القتل خارج القضاء بلا حرج.
لم تكن سياسة الامتناع نابعة من احترام الحق في الحياة، بل من اعتبارات أمنية وسياسية بحتة. فالأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الجيش والشاباك، رأت في عقوبة الإعدام إجراء لا يحقق الردع وقد يشعل مزيدا من المقاومة.
لم تكن سياسة الامتناع نابعة من احترام الحق في الحياة، بل من اعتبارات أمنية وسياسية بحتة. فالأجهزة الأمنية، وعلى رأسها الجيش والشاباك، رأت في عقوبة الإعدام إجراء لا يحقق الردع وقد يشعل مزيدا من المقاومة. كما خشت الحكومات المتعاقبة من الضرر الذي قد يلحق بصورة إسرائيل في الخارج، فاستثمرت هذا الامتناع كرصيد حقوقي تستخدمه حين تقف أمام المجتمع الدولي. وفي الوقت ذاته، ازدهر خطاب آخر في الشارع اليميني، حيث تحولت مطالبة "الإعدام للإرهابيين" إلى شعار انتخابي يرفع في الساحات، يقوده اليوم وزراء ينتمون للمشروع الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل. ومع أن الكنيست شهد خلال العقود الماضية عشرات المحاولات لتعديل القوانين بما يسمح بالإعدام، فإنها بقيت محاولات رمزية، لأن الدولة كانت تفضل القتل من دون محكمة، وتستعير الامتناع كقناع رقيق تخفي تحته سياسة عنف لا حدود لها.

بالنسبة للفلسطيني، لا يمثّل القانون انقلابا في الواقع بقدر ما يمثّل اعترافا رسميا بما يجري منذ عقود. فالاحتلال الذي قتل في غزة والضفة بلا محاسبة، والذي سجّل ما يزيد عن سبعين ألف شهيد خلال عامين، لا يحتاج لإثبات قدرة جديدة على القتل. ما يحتاجه في خياله الاستعماري هو توسيع أدوات السيطرة، وتغليف العنف بقالب قانوني يوهم العالم بأن الموت صار "إجراء قضائيا".
يبدو مشروع الإعدام في جوهره اعترافا بعجز الدولة عن كسر الروح التي قاومتها سبعة عقود، وبقرب سقوط الخطاب الذي طالما حاول أن يغطّي العنف بعبارة "الدفاع عن النفس".
لكن ما يغيب عن صانعي القانون أن الشعوب لا تُهزم بالمشانق، وأن الموت لم يكن يوما خاتمة الرواية الفلسطينية. فشعبٌ حمل شهداءه كمن يحمل مشاعل، وكتب وجوده بحجارة البيوت المهدّمة، لا يخشى قانونا يقول له إنّ حياته رخيصة. ما يخشاه الاحتلال حقا هو أن الفلسطيني ما يزال ينهض كلما انهار شيء من حوله، وأن فكرة الحرية تتكاثر رغم الموت. ولهذا يبدو مشروع الإعدام في جوهره اعترافا بعجز الدولة عن كسر الروح التي قاومتها سبعة عقود، وبقرب سقوط الخطاب الذي طالما حاول أن يغطّي العنف بعبارة "الدفاع عن النفس".