التطهير الأثري في سبسطية: سرقة الأرض باسم التاريخ
15 ديسمبر 2025
ليست سبسطية أطلالا مهجورة في كتاب تاريخ، ولا تلّا صامتا ينتظر عدسة سائح؛ سبسطية قرية حيّة، تنبض بزيتونها، وتتنفّس من ترابها، وتحمل في حجارتها ذاكرة أقدم من الجرافة وأصدق من الخرائط العسكرية. ومع ذلك، تقف اليوم على حافة جريمة جديدة، لا تُرتكب هذه المرة باسم الأمن وحده، بل باسم التراث، حيث تتحوّل الآثار من شاهدٍ على التاريخ إلى أداةٍ لمحو الحاضر، ومن علمٍ إنساني إلى سلاحٍ استعماري ناعم. هنا، لا يُحاصَر الفلسطيني بالدبابة وحدها، بل بالمجرفة الأثرية، ولا يُطرد من أرضه بقانون الطوارئ فقط، بل بسردية مزوّرة تُعيد تعريف المكان كي لا يعود له أهل.

في شمال نابلس، أعلن الاحتلال الإسرائيلي خطته لمصادرة 550 قطعة أرض خاصة من أراضي سبسطية، تمتد على نحو 1800 دونم، شكّلت لقرون طويلة العمود الفقري لحياة القرية واقتصادها وهويتها. تحت ذريعة "تطوير الموقع الأثري"، يُهدَّد اقتلاع ما يقارب 3000 شجرة زيتون، بعضها معمّر، في فعل لا يستهدف الأرض وحدها، بل الذاكرة الجمعية الفلسطينية التي ارتبطت بهذه الأشجار كما ارتبطت بالأسماء والحكايات والمواسم.
ذرائع التطوير لم تكن يوما بريئة، إذ سرعان ما تصاعدت الإجراءات العسكرية، وصولا إلى استيلاء الجيش في تموز/يوليو 2024 على قمة تل سبسطية، بذريعة "مخاوف أمنية" فضفاضة، أعقبها الإعلان عن نية الاستيلاء على مساحات أوسع من أراضي القرية.
تُقدَّم سبسطية في الخطاب الإسرائيلي بوصفها موقعا أثريا "إسرائيليا"، عاصمة قديمة لمملكة عبرية غابرة، ويُعاد استحضار طبقة تاريخية واحدة من بين طبقات عديدة تعاقبت على المكان. فهنا، فوق هذا التل، قامت مدينة السامرة في العصر الحديدي، ثم أعاد هيرودس بناءها في القرن الأول قبل الميلاد، ومرّ عليها الرومان والبيزنطيون، وازدهرت في عصور إسلامية متلاحقة. غير أن هذا التعدد الحضاري، يُختزل عمدا في رواية واحدة، تُنتزع من سياقها لتُستخدم كصكّ ملكية استعماري متأخر.
بدأت السيطرة الإسرائيلية على سبسطية بشكل ممنهج في أيار/مايو 2023، حين خصصت الحكومة 32 مليون شيكل لما سمته "ترميم وتطوير" الموقع. لكن ذرائع التطوير لم تكن يوما بريئة، إذ سرعان ما تصاعدت الإجراءات العسكرية، وصولا إلى استيلاء الجيش في تموز/يوليو 2024 على قمة تل سبسطية، بذريعة "مخاوف أمنية" فضفاضة، أعقبها الإعلان عن نية الاستيلاء على مساحات أوسع من أراضي القرية.

لم يقف أهالي سبسطية صامتين أمام إجراءات الاحتلال، فقد قدموا اعتراضا قانونيا يؤكد أن القانون الدولي يحظر استخدام الممتلكات الثقافية لأغراض عسكرية أو استعمارية. إلا أن الاعتراض رُفض، في مشهد يعكس بوضوح كيف تُفرَّغ القوانين من مضمونها حين تتعارض مع المشروع الاستيطاني. وفي المقابل، خرج وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو ليحتفي بالمصادرة، معلنا بلا مواربة أن ما يجري ليس حماية آثار، بل تثبيت "إرث" مزعوم بالقوة، في خطاب يفضح جوهر السياسة أكثر مما يخفيه.
الأخطر في هذه الخطة أنها لا تكتفي بمصادرة الأرض، بل تسعى إلى فصل الفلسطيني عن تاريخه. فالمشروع يتضمن تحويل مسار الزوار الإسرائيليين عبر طرق التفافية تتجاوز القرية بالكامل، وبناء مركز للزوار، وتسييج الموقع الأثري، وفرض رسوم دخول، بما يحوّل سبسطية إلى "حديقة أثرية" بلا أهل، ويقطع الصلة العضوية بين السكان وأرضهم وتراثهم. هكذا يُحوَّل الفلسطيني من صاحب المكان إلى غريب يقف خارجه، ينظر إلى تاريخه من خلف سياج.
الضفة الغربية تضم أكثر من 6000 موقع أثري، يُنظر إلى كل حجر فيها بوصفه ذريعة جديدة للمصادرة، وكل موقع خطوة إضافية نحو محو الوجود الفلسطيني.
ما يجري في سبسطية ليس استثناء، بل حلقة جديدة في سياسة إسرائيلية قديمة يمكن تسميتها دون مواربة "التطهير الأثري". فقد استخدمت إسرائيل علم الآثار كأداة لتثبيت السيطرة الاستيطانية، عبر تحويل المواقع الفلسطينية إلى "مناطق تراث قومي"، تُفرغ من سكانها، وتُعاد صياغتها سرديا بما يخدم مشروع الضم.
الضفة الغربية تضم أكثر من 6000 موقع أثري، يُنظر إلى كل حجر فيها بوصفه ذريعة جديدة للمصادرة، وكل موقع خطوة إضافية نحو محو الوجود الفلسطيني. وما لا يخدم الرواية الاستعمارية يُهمَل أو يُدمّر، وما يمكن توظيفه يُعاد تشكيله قسرا.
ما يجري ليس صراعا على الماضي، بل على المستقبل. فحين يُنتزع التراث من أهله، يُفتح الطريق لاقتلاعهم من الغد. ومع ذلك، تبقى سبسطية، كما فلسطين كلها، شاهدة على أن الحكاية لا تُمحى بالجرافات، وأن الأرض، مهما أُثقلت بالسياج، لا تزال تعرف أصحابها.