الضفة في مرمى اعتداءات المستوطنين.. شهادات حية
31 ديسمبر 2025
لا ينفكّ مستوطنو الاحتلال الاسرائيلي عن ممارسة شتى أشكال المضايقات والانتهاكات بحق أهالي الضفة الغربية، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق عليهم وفرض واقع قسري جديد يخدم التوسع الاستيطاني. وتتخذ هذه الاعتداءات صورا متعددة، تشمل الاعتداءات الجسدية واللفظية، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على الأراضي الزراعية، فضلا عن فرض قيود مشددة على حرية الحركة ومقومات الحياة اليومية. وتأتي هذه الممارسات في ظل حماية مباشرة من قوات الاحتلال، فيما يواجه أي ردّ فعل فلسطيني، مهما كان دفاعيا، بالاعتقال والملاحقة دون تهمة سوى محاولة حماية النفس والأرض.
في هذا التقرير نوثق شهادات أشخاص عايشوا اعتداءات المستوطنين بشكل مباشر، اعتداءات دفعتهم إلى إعادة حساب تحرّكاتهم اليومية، والاستعداد نفسيا لاحتمال التعرض للهجوم في أي لحظة. ومع تصاعد هذه المضايقات، بات العبء أثقل من أن يُحتمل، فيروي المتضررون قصصهم بوجع عميق، كاشفين عن واقع تحولت فيه أراضيهم ومنازلهم إلى أهداف مفتوحة، في ظل شعور المستوطنين بإفلات كامل من العقاب، ومعرفة راسخة بأن أفعالهم لن تواجه بأي مساءلة.

المواطن خميني سليمان واحدا من بين عشرات الفلسطينيين الذين يتعرضون بشكل متكرر لاعتداءات المستوطنين. يقطن في بلدة بيت عور التحتا برام الله، يصف معاناته وهو يصفق كفيه بمرارة قائلا: "إنهم مزعجون جدا، يحاولون بشتى الطرق تخويفنا لإجبارنا على التنازل عن أراضينا، بحجة أنها ملك للدولة ولا يريدون رؤيتنا فيها. نصبوا خيمة شرق البلدة، وشقوا منها طرقا، ومنذ ذلك الحين تصاعدت المضايقات بشكل أكبر".
ويضيف أن جيش الاحتلال صادر في بيت عور التحتا نحو 5 آلاف دونم من الأراضي الزراعية المزروعة بأشجار الزيتون والعنب، والتي تشكل مصدر رزق أساسي للمزارعين وأصحابها. أما ما تبقى من أراض، فيقول إن الوصول إليها بات يتم جماعيا لا فرديا، "لأن الذهاب إلى الأرض وحيدا يعني الموت حتما".
جيش الاحتلال صادر في بيت عور التحتا نحو 5 آلاف دونم من الأراضي الزراعية المزروعة بأشجار الزيتون والعنب، والتي تشكل مصدر رزق أساسي للمزارعين وأصحابها.
ويتابع سليمان أن المستوطنين يحاولون منعه ورفاقه ورفاقه من الوصول إلى أراضيهم عبر إطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع. ويروي إحدى الحوادث التي تعرّض لها قائلا: "في إحدى المرات هاجمونا داخل أرضنا، ورفضوا مغادرتها، وبقوا فيها طوال اليوم. كنت برفقة أخي وابن عمي، ووقعت مشادة بيننا، حاولوا الاعتداء عليّ، لكننا كنا ثلاثة مقابل ثلاثة. لو كنت وحدي لتمكّنوا مني واعتدوا عليّ. لم تكن تلك المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة".
على نحو مشابه، تتعرّض الخمسينية نهلة دواد من بلدة بيت عور التحتا لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين أثناء تواجدها في أرضها. تقول بمرارة: "في شهر أكتوبر الماضي، وخلال موسم قطف الزيتون، تعرّضنا لاعتداءات ومضايقات من قطعان المستوطنين ونحن نقطف زيتوننا. اعتدوا علينا بقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، وضربوا أبنائي، وسرقوا أربعة أكياس من الزيتون كنا قد قطفناها، إلى جانب سرقة أدوات ومقتنيات نستخدمها في الحصاد".
لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرّض فيها دواد للاعتداء، إلا أن هذه الحادثة اتّسمت بقدر غير مسبوق من القسوة، إذ أُجبرت هي وعائلتها، تحت تهديد السلاح، على مغادرة أرضهم والتعهّد بعدم العودة إليها. وتضيف: "هذا ظلمٌ بعينه. سئمنا هذه الأفعال، لكننا لن نيأس، سنبقى متمسكين بأرضنا حتى النفس الأخير، ولن ينالوا منا".
بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية مع نهاية عام 2024 نحو 770 ألف مستوطن، يتوزعون على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية. وخلال عام 2025، هُدم ما يزيد عن 1500 منشأة فلسطينية.
ووفقا لتقارير محلية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية مع نهاية عام 2024 نحو 770 ألف مستوطن، يتوزعون على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية. وخلال عام 2025، هُدم ما يزيد عن 1500 منشأة فلسطينية. وفي شهر نوفمبر وحده، نفّذ المستوطنون نحو 621 اعتداء في مختلف مناطق الضفة الغربية، بحسب إحصائية لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان. كما شهد شهر أكتوبر الماضي تصاعدا غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات، بمعدل ثماني حوادث يوميا، وهو أعلى معدل يتم تسجيله منذ بدء الأمم المتحدة توثيق هذه الانتهاكات قبل نحو عشرين عاما.

في بلدة المغير شرق رام الله، تعرّضت فاطمة بني نعيم لهجوم من المستوطنين داخل منزلها. تروي بصوت مرتجف: "هاجمونا واعتدوا على ابني، ضربوه بعنف على رأسه، ثم اعتدوا على حماتي. اتصلت بالإسعاف، لكن الجيش منعها من الوصول إلينا. ساءت حالة حماتي، وبسبب الخوف الشديد بقيت ليومين في المستشفى تعاني من تسارع وعدم انتظام دقات القلب".
ولم تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد، إذ هاجم أحد المستوطنين منزل فاطمة لاحقا، ورفع سلاحه في وجه زوجها مهددا بإطلاق النار، ما تسبب لها بنوبة خوف شديدة. وتضيف: "تعرضت أيضا للاعتداء أثناء سيري في الشارع، حين اعترضني مستوطن ومنعني من المرور. تشاجرنا فضربني، وحين حاولت الدفاع عن نفسي أعاد الاعتداء عليّ. حملت حجرا صغيرا لأحمي نفسي، وفي اللحظة نفسها بدأ بتصويري، ليعتقلني الجيش لساعات بحجة أنني اعتديت عليه".
هاجم أحد المستوطنين منزل فاطمة لاحقا، ورفع سلاحه في وجه زوجها مهددا بإطلاق النار، ما تسبب لها بنوبة خوف شديدة. وتضيف: "تعرضت أيضا للاعتداء أثناء سيري في الشارع، حين اعترضني مستوطن ومنعني من المرور".
أما آلاء عبدالله، التي تعمل في صيدلية بإحدى قرى رام الله التي تتعرض لمداهمات متكررة من المستوطنين، فلم تواجههم بشكل مباشر، لكنها تشهد يوميا ممارساتهم من خلف باب الصيدلية. تقول بأسى: "أكذب إن قلت إنني لا أخاف. فكرة اقتحامهم المفاجئ لمنطقتنا توترني بشدة، خصوصا حين أكون وحدي في الصيدلية. رأيتهم يدهسون شابا وهو يصلي، ويهاجمون شباب القرية. وفي إحدى المرات شاهدت أخي يواجههم عن قرب، وخفت عليه كثيرا. هذا هو واقع منطقتنا: تنكيل واعتداءات وصلت في مرات عديدة إلى القتل".
وفي قرية دير جرير شرق رام الله، لا يختلف الحال كثيرا. يقول الشاب عدي خميس: "قبل نحو خمسة أشهر فتح الجيش الإسرائيلي شارعا في بداية منطقتنا، بحجة أنه شارع عسكري يخدم معسكر تل العاصور، أعلى نقطة في محافظة رام الله، حيث تقام قاعدة جوية وعسكرية". ويوضح أن الشارع تحوّل إلى ممرّ للمستوطنين الذين يعتدون على الأهالي دون تمييز، بدءا برشق الحجارة على المركبات واقتحام المنازل، وصولا إلى إطلاق النار المباشر.
ويتابع: "في شهر سبتمبر الماضي سمعت أصوات إطلاق نار ليلا، شعرت بقلق شديد، فاتصلت بصديقي للاطمئنان عليه، فأخبرني أن المستوطنين أطلقوا عليه النار وأُصيب. حاولت الوصول إليه، لكن الجيش منعني، واحتجزه المستوطنون حتى نزف حتى الموت".
لا تقتصر هذه الاعتداءات على منطقة بعينها، إذ تتواصل في مختلف أنحاء الضفة الغربية، من بلدة حوارة جنوب نابلس شمالا، إلى قرية الجبعة غرب بيت لحم جنوبا.
ولا تتوقف الاقتحامات في دير جرير. ففي أكتوبر الماضي، هاجم المستوطنون مركبات الأهالي، فتصدّى لهم شبان القرية، ليُطلق المستوطنون النار عشوائيا، ما أدى إلى استشهاد الشاب جهاد عجاج وإصابة أربعة آخرين. أعقب ذلك اقتحام لمنازل على أطراف القرية، تدخل خلاله الجيش الإسرائيلي، ليُستشهد الشاب براء معالي برصاص قناص. وقبل يومين فقط، اقتحم نحو عشرين مستوطنا أطراف القرية، ودهسوا شابا أثناء صلاته على جانب الطريق، كما سرقوا نحو 250 رأسا من الأغنام تعود للمواطنين جهاد أبو مخو وصادق معالي.
ولا تقتصر هذه الاعتداءات على منطقة بعينها، إذ تتواصل في مختلف أنحاء الضفة الغربية، من بلدة حوارة جنوب نابلس شمالا، إلى قرية الجبعة غرب بيت لحم جنوبا، حيث أُحرقت مركبات، وتعرّضت منازل للهجوم، وخُطّت شعارات تهديدية على الجدران.
تتفاقم معاناة أهالي الضفة الغربية يوما بعد يوم، في ظل اعتداءات المستوطنين المتواصلة، التي تُنفّذ بحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي والشرطة، فيما يُلاحق الفلسطيني ويُعتقل لمجرد دفاعه عن نفسه. وفي غياب أي أفق للحلول، تتواصل سياسة قضم الأراضي الفلسطينية وسلبها من أصحابها تدريجيا، لتكريس واقع قسري جديد على الأرض.