قطيعة: كيف أعادت غزة تشكيل الوعي العالم
6 يناير 2026
لم تعد الإبادة الجماعية في غزة حدثا يمكن احتواؤه داخل نشرات الأخبار أو عزله في هامش السياسة الدولية. ما جرى ويجري هناك، وقد بُثّ حيّا على شاشات العالم، أحدث شرخا عميقا في الوعي الجمعي العالمي، شرخا لا يمكن ترميمه بخطابات دبلوماسية أو صيغ سلام مستهلكة. فحين تُرتكب إبادة كاملة تحت راية "الديمقراطية الليبرالية"، لا يعود ممكنا الادّعاء بأن العنف استثناء، أو أن النظام القائم قابل للإصلاح. لقد رأى العالم، وبوضوح غير مسبوق، أن نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني في فلسطين لم يعد قابلا للاستمرار، وأن الصمت عليه هو تواطؤ صريح.

شكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قطيعة معرفية وسياسية حاسمة في طريقة التفكير بفلسطين. فقبل هذه اللحظة، ظل الخطاب الدولي حبيس مفردات الدولة، والمفاوضات، و"عملية السلام"، حيث جرى التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها نزاعا تقنيا ينبغي إدارته لا ظلما بنيويا يجب تفكيكه. غير أن ما تلا السابع من أكتوبر أجبر العالم على مواجهة المفاهيم التي طالما حاول تهميشها: الاستعمار الاستيطاني، النكبة المستمرة، الصهيونية بوصفها أيديولوجيا هيمنة، ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي كحقيقة قائمة لا مجرّد توصيف سياسي.
التحرر لا يأتي من تحسين شروط القهر، بل من تفكيك البنى التي تنتج القهر ذاته.
هذا التحوّل لم يكن لغويا أو أخلاقيا فقط، بل مثّل انقلابا في الفهم السياسي العالمي. فخطابات إنهاء الاستعمار والمساءلة القانونية باتت تتجاوز الهامش، وتخترق ساحات طالما احتكرتها لغة "حل الدولتين". لقد كشفت الإبادة في غزة أن العنف الإسرائيلي لا يمكن فهمه بوصفه ردّ فعل استثنائيا أو إجراء دفاعيا طارئا، بل باعتباره تعبيرا بنيويا عن مشروع استيطاني إحلالي يقوم على نفي الوجود الفلسطيني وإعادة تشكيل المكان بالقوة. وبهذا المعنى، انهار الوهم الذي روّج له الخطاب الدولي طويلا حول إمكان "إدارة" الاحتلال أو احتوائه عبر التسويات والإجراءات التقنية، بعدما تبيّن أن بنيته نفسها تنتج العنف بوصفه شرطا لاستمراره لا عرضا قابلا للضبط.
بالنسبة للفلسطينيين، أعادت هذه اللحظة تثبيت حقيقة تاريخية طالما جرى تجاهلها: لا يمكن انتزاع الحرية عبر التفاوض داخل منظومة صُمّمت أصلا لنفي وجودهم. التحرر لا يأتي من تحسين شروط القهر، بل من تفكيك البنى التي تنتج القهر ذاته. أما عالميا، فقد أطلقت الإبادة موجة جذرنة واسعة، إذ باتت فلسطين نقطة التقاء لنضالات متعددة، ولم تعد تُقرأ كقضية محلية، بل كعدسة تكشف هندسة الهيمنة العالمية برمّتها.

في مواجهة هذا التحول، تحاول القوى الدولية إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الإبادة. تعود الدعوات إلى وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، والاعتراف بدولة فلسطينية مبتورة، وكأن المشكلة كانت في غياب هذه الإجراءات لا في النظام الذي أنتج الإبادة. غير أن هذه المحاولات لا تسعى إلى العدالة، بل إلى استعادة "الطبيعي" القديم، أي نظام سمح للفصل العنصري بأن يستمر، وللنكبة بأن تُمحى من الوعي. وقف إطلاق النار ضرورة إنسانية، لكنه لا يعادل العدالة، وإعادة الإعمار دون سيادة ليست سوى شكل جديد من أشكال التبعية.
وفي قلب هذا المسعى، يبرز التركيز المحموم على "القضاء على حماس" بوصفه سياسة إلهاء. فاختزال الإبادة في صراع مع فصيل بعينه يسمح بتصوير الحرب على الفلسطينيين كحرب على "الإرهاب"، ويحوّل المقاومة، بكل أشكالها، إلى جريمة. غير أن هذا المنطق يتجاهل أن المقاومة ليست عرضا طارئا، بل نتيجة حتمية لواقع استعماري قائم. حتى لو تغيّرت الأشكال والتنظيمات، فإن شرط المقاومة سيبقى ما دامت بنية الهيمنة قائمة.
اليوم، تقف فلسطين في قلب وعي عالمي جديد آخذ في التشكل. لم تعد مجرد قضية، بل اختبارا أخلاقيا للنظام العالمي برمّته.
لقد كشفت الإبادة في غزة أيضا عن جوهر العقلية الاستعمارية الغربية. فالدعم العسكري والسياسي غير المشروط لإسرائيل، وقمع التضامن العالمي مع الفلسطينيين، أظهرا أن المؤسسات الدولية التي رُفعت باسم "الحقوق الكونية" تعمل في لحظات الاختبار، كأدوات لحماية الهيمنة لا العدالة. وحين يُطبَّق القانون الدولي انتقائيا، يتحوّل من إطار أخلاقي إلى لغة قوة.
اليوم، تقف فلسطين في قلب وعي عالمي جديد آخذ في التشكل. لم تعد مجرد قضية، بل اختبارا أخلاقيا للنظام العالمي برمّته. والمطالبة بحرية فلسطين لم تعد نداء محليا، بل دعوة لتفكيك نظام عالمي يقوم على الاستعمار والعسكرة والاستغلال. لقد انكشف المشهد، وسقط القناع، ولم يعد ممكنا "العودة إلى ما كان". المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على المعنى، وعلى شكل العالم الذي يُراد بناؤه بعد هذه اللحظة الفاصلة.